"الجُرَيدة" قصر اثري منسي جنوب الخليل


وسط طبيعة جرداء على أطراف الصحراء، بالقرب من خربة " اعسيله" إلى الجنوب الغربي من بلدة الظاهرية، جنوب الخليل، يقع رجم أو قصر الجريدة الأثري، متحديا العصور الغابرة، منسيا وحيدا، ليكون ضحية التصنيفات السياسية التي وضعها الاحتلال الإسرائيلي، الرافض حمايته والحيلولة دون رعايته وتطويريه.

دلائل تاريخية

وجاءت تسمية قصر الجريدة أو رجم باللغة العامية، والذي تم اكتشافه في تسعينيات القرن الماضي، تعود إلى طبيعة المكان وهو " الأرض الجرداء، والتي تدل على الحياة المناخية التي كان يعيشها سكان ذلك العصر، حيث استند هذا الاعتقاد إلى العثور على العديد من آبار جمع المياه إضافة إلى وجود شبكة من القنوات الحجرية التي تساعد في وصول كل نقطة مياه من أقبية واحواش القصر إلى هذه الآبار.

وقال عالم الآثار الدكتور إبراهيم المخارزه، أن قصر الجريدة، مكون من طابقين أرضيته مرصوفة بفسيفساء ملونة ورسومات ذات دلائل تاريخية تعبر عن حوادث وقعت في تلك العصور، مضيفا أنه تم العثور على معاصر حجرية للزيت وهذه دليل على وجود أشجار الزيتون في المنطقة، مشيرا الى أنه قام بفحص الحقب التاريخية التي مرت على هذا القصر، حيث اكتشف أن القسم السفلي "المغارة " تحتوي على آثار يونانية تعود للقرن الثالث قبل الميلاد أما القسم العلوي فإن الدلائل الأثرية تعود للفترة الرومانية.

وأضاف أن :"القصر توسع في الفترة البيزنطية وسكنه عدد كبيرة من الناس، وهذا مثبت من حجم القاعات وغرف العبادة الموجودة ويسمى هذه النظام في علم الآثار "بالعزبة أو الحوش الزراعي" كما استخدمت الأبراج التي كانت تعلو القصر كنظام دفاع لحماية المزارعين من غزوات البدو"، لافتا أن عالم الآثار " برامكي" تحدث عن القصر عام 1932م وفي عام 1967 وثق عالم الآثار الإسرائيلي "كوخافي" هذا القصر في المسح المستعجل للمواقع الأثرية في الضفة الغربية.

ضحية الاحتلال

ويرى الدكتور أحمد الرجوب، مدير السياحة والآثار، أن قصر الجريدة، وغيره من الآثار التي تعتبر موروثا حضاريا، يعبر عن حضارات مختلفة نشأت في الجنوب، وغير معروفة للكثيرين وتحتوي في طياتها على مقومات تاريخية وبيئية مهمة، ضحية الاحتلال الإسرائيلي، بتصنيفاته السياسية، مشيرا أن القصر يقع ضمن المناطق المتعارف عليها " C"، ولا يقوم بحمايتها كما يجب وكما هو مطلوب منه ولا يسمح بالتدخل لحمايتها والحفاظ عليها، ما عرضها للدمار بفعل الإهمال وعمليات السطو والسرقة.


وأضاف، أن هذا الموقع حفر قبل عشر سنوات من الاحتلال الإسرائيلي، واستكشف على أنه من نهاية الفترة البيزنطية وبداية الفترة الإسلامية، موضحا أن هذه الرجم هي بالأصل قلاع رومانية موجود على طول البرية الفاصلة بين المناطق الحضرية والبادية على أطراف الصحاري، حماية من هجمات البدو، مشيرا الى أن هذه الرجم تحولت فيما بعد بالفترة البيزنطية إلى أديرة، كانت تقوم على اقتصاد مهم في فلسطين، وهو اقتصاد النبيذ.

معصرة فريدة

وأوضح، أن أهميتها استمرت بالفترة الإسلامية المبكرة، وخاصة في العهد العباسي، ولكن مع حصول تغير على اقتصادها بتحولها من اقتصاد النبيذ إلى اقتصاد زيت الزيتون الذي له قدسية، ما أدى الى بناء معصرة زيتون كبيرة ومميزة، فريدة في نموذجها خاصة في جنوب الخليل، مبنية على حجارة ضخمة، ولا يوجد لها مثل هذا النمط من المعاصر في الشمال.

وبين الرجوب، أن القلعة الموجودة في القصر، هي قلعة صغيرة، مساحتها 4×4، بالإضافة إلى دير ومصلى، مع أرضية جميلة مكونة من سجادة فسيفسائية برسومات نباتية وهندسية، من مكعبات ملونة ابيض وأسود ووردي، طالها التخريب بسبب الاحتلال الذي حصرها وتركها إلى لصوص الآثار والإهمال لطمس هذا التراث الحضاري.

مسار إبراهيم

وأشار الرجوب، رغم عدم تدخل وزارة السياحة والآثار، فيزيائيا في القصر، فإنه سيكون ضمن المسار السياحي الجنوبي " مسار إبراهيم"، والذي يمتد ليشمل مناطق مختلفة في الجنوب الفلسطيني سيما في بلدات الظاهرية ويطا والسموع وقرية البرج، وهي تقوم بإعداد خرائط تعريفية لهذه المواقع وستعمل على تنظيم رحلات سياحية لإحياء هذه المواقع وحمايتها، موضحا أنه في ظل الوضع السياسي الراهن فإن حماية الموقع تقع على مسؤولية المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني بالحفاظ على هذا الارث الحضاري من الضياع والاندثار.


"القدس" دوت كوم